التخفيضات الوهمية والوجه الخفي لها هل لاحظت يومًا إعلانًا يقول:
“السعر قبل التخفيض 10,000 ليرة، وبعد العرض أصبح 5,000 ليرة فقط!”
قد يبدو هذا العرض مغريًا، لكن في الحقيقة قد يكون سعر المنتج الأصلي دائمًا هو 5,000، وتم رفعه مؤقتًا قبل الإعلان لخلق انطباع بخصم ضخم. هذه الظاهرة تُعرف في علم التسويق باسم التخفيضات الوهمية (Fake Discounts)، وهي من أكثر الأساليب المضللة انتشارًا في عالم البيع بالتجزئة والتجارة الإلكترونية.
ما هي التخفيضات الوهمية؟
التخفيضات الوهمية هي استراتيجية تسعير خادعة تُستخدم لإيهام المستهلك بأنه يحصل على صفقة ممتازة.
يتم ذلك عبر رفع السعر الأصلي مؤقتًا ثم تخفيضه إلى السعر الحقيقي أو قريب منه، مع الإشارة إلى “خصم كبير” في الإعلان.
على سبيل المثال:
-
السعر الفعلي: 5000
-
السعر الوهمي قبل العرض: 10,000
-
السعر بعد العرض: 5000
النتيجة؟ المستهلك يظن أنه وفر 50٪، بينما لم يحدث أي توفير فعلي.
لماذا تستخدم الشركات التخفيضات الوهمية؟
يلجأ بعض المسوقين إلى هذه الطريقة لزيادة المبيعات السريعة عبر استغلال العواطف النفسية للمستهلك.
بحسب دراسة نُشرت في Journal of Consumer Research (2023)، فإن العروض الكبيرة تخلق إحساسًا بالفرصة النادرة، وتدفع المستهلك لاتخاذ قرار شراء فوري دون تحليل السعر الحقيقي.
وفي دراسة أخرى لـ Della Bitta & Norberg (University of Rhode Island)، تبيّن أن الأسعار المرجعية تؤثر بقوة على تصورات القيمة؛ فعندما يرى المستهلك سعرًا أصليًا مرتفعًا وسعرًا مخفضًا، يُثبّت السعر المرتفع في ذهنه كمقياس للجودة، حتى لو لم يكن واقعيًا.
الآليات النفسية وراء التخفيضات الوهمية
1. التثبيت المرجعي (Reference Pricing)
العقل البشري يحتاج إلى مرجع لتقييم السعر. عندما يرى المستهلك السعر القديم المشطوب (10,000)، يُصبح هو المرجع النفسي، فيبدو السعر الجديد (5,000) وكأنه صفقة رابحة.
مرجع: Della Bitta & Norberg, “Price Discount Perception”, 2013.
2. الوهم الاسمي (Nominal Illusion)
دراسة نُشرت في Journal of Economic Interaction and Coordination (2021) أوضحت أن المستهلكين يتأثرون بالأرقام الاسمية أكثر من قيمتها الحقيقية. أي أنهم ينجذبون إلى النسبة المئوية للخصم أكثر من السعر الفعلي.
مرجع: Morales & Fatas, “Price Competition and Nominal Illusion”, 2021.
3. التأثير العاطفي للتخفيض (Discount Affect)
التخفيضات تُثير مشاعر إيجابية مثل السعادة والانتصار، ما يجعل المستهلك يشعر أنه “فاز بصفقة”.
لكن وفق دراسة في Fashion and Textiles Journal (2018)، هذا التأثير العاطفي يجعل المستهلك يغفل عن تقييم الجودة أو الحاجة الفعلية للمنتج.
مرجع: Kim & Kim, “Effects of price discount on consumers’ perceptions”, 2018.
التأثيرات السلبية للتخفيضات الوهمية
1. فقدان الثقة في العلامة التجارية
عندما يكتشف المستهلك أن التخفيض لم يكن حقيقيًا، يفقد الثقة في المتجر أو العلامة التجارية، مما ينعكس سلبًا على سمعة الشركة ومبيعاتها المستقبلية.
2. تشويه المنافسة العادلة
الشركات التي تتبع استراتيجيات وهمية تخلق منافسة غير عادلة، حيث تبدو منتجاتها “أرخص” مقارنة بالمنافسين الصادقين الذين يعرضون أسعارًا حقيقية.
3. مخالفات قانونية بسبب التحفيضات الوهمية
في العديد من الدول، تُعد التخفيضات الوهمية شكلاً من أشكال الإعلان المضلل.
القوانين في الاتحاد الأوروبي مثلاً تُلزم التجار بأن يكون السعر “السابق” حقيقيًا وتم استخدامه فعلاً لفترة محددة قبل التخفيض.
كيف يمكن للمستهلك اكتشاف التخفيضات الوهمية؟
-
🔍 قارن الأسعار: استخدم مواقع مقارنة الأسعار قبل الشراء، خاصة في التجارة الإلكترونية.
-
📅 راقب التوقيت: إذا لاحظت أن “العرض” يتكرر كل أسبوع، فغالبًا هو تخفيض دائم وليس عرضًا حقيقيًا.
-
🧾 تحقق من تاريخ السعر الأصلي: هل السعر القديم كان موجودًا فعلاً قبل العرض أم ظهر فقط أثناء الحملة الترويجية؟
-
💡 لا تنخدع بنسبة الخصم: 50٪ أو 70٪ لا تعني شيئًا إذا لم تكن تعرف السعر الحقيقي قبل التخفيض.
التسويق الأخلاقي: بديل أكثر استدامة
بالنسبة للعلامات التجارية التي تسعى لبناء ثقة طويلة الأمد، خاصة في القطاعات الفاخرة والضيافة، فإن الشفافية هي مفتاح النجاح.
في دراسة صادرة عن Harvard Business Review (2020)، تبين أن المستهلكين المستعدين لدفع أسعار أعلى للعلامات الشفافة يتزايدون سنويًا بنسبة 15%.
نصائح للمسوقين قبل التورط في التخفيضات الوهمية:
-
لا ترفع السعر قبل التخفيض بهدف التلاعب.
-
وضّح للمستهلك المدة التي كان فيها السعر الأصلي مطبقًا.
-
ركّز على القيمة المضافة وليس على نسبة الخصم.
-
استخدم لغة واضحة وصادقة في الحملات الترويجية.
دروس من سوق التجزئة
بعض العلامات التجارية العالمية واجهت غرامات ضخمة بسبب التخفيضات الوهمية.
على سبيل المثال، فرضت السلطات في المملكة المتحدة عام 2017 غرامات على متاجر أزياء شهيرة بعد اكتشاف أن “الأسعار الأصلية” كانت مرفوعة لأسابيع قليلة فقط قبل التخفيضات الموسمية.
هذا المثال يُظهر أن الصدق في التسعير ليس فقط قيمة أخلاقية بل أيضًا ضرورة قانونية واستراتيجية.
الخلاصة
تُظهر الأبحاث بوضوح أن التخفيضات الوهمية ليست مجرد حيلة تسويقية، بل ممارسة قد تُضعف ثقة المستهلكين وتؤذي سمعة العلامة التجارية على المدى الطويل.
المستهلك الواعي اليوم لا ينجذب إلى العروض المؤقتة بقدر ما ينجذب إلى الشفافية والقيمة الحقيقية.
من منظور تسويقي مهني، يمكن القول إن المكسب القصير الناتج عن التلاعب في الأسعار لا يبرر الخسارة الدائمة في الثقة.
العلامات التي تبني مصداقيتها بالصدق، لا تحتاج إلى تضخيم الأرقام فمنتجاتها تتحدث عن نفسها.
يمكنكم قراءة : العروض القصيرة في المتاجر والمطاعم: كيف تجذب العملاء بدون ما تخسر قيمة البراند
المراجع العلمية
-
Della Bitta, A. J., & Norberg, P. A. (2013). Price Discount Perception: Consumers’ Numeric Interpretation of Semantic Price Claims. University of Rhode Island.
-
Morales, A. J., & Fatas, E. (2021). Price Competition and Nominal Illusion: Experimental Evidence and a Behavioural Model. Journal of Economic Interaction and Coordination.
-
Kim, H., & Kim, S. (2018). Effects of Price Discount on Consumers’ Perceptions of Savings, Quality, and Value for Apparel Products. Fashion and Textiles Journal.
-
Harvard Business Review (2020). The Case for Transparency in Retail Pricing.

